فصل: قال الخطيب الشربيني:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{وَحُسْنَ مَئَابٍ} مرجع في الجنة.
{يا داود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً في الأرض} استخلفناك على الملك فيها، أو جعلناك خليفة ممن قبلك من الأنبياء القائمين بالحق.
{فاحكم بَيْنَ الناس بالحق} بحكم الله.
{وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى} ما تهوى النفس، وهو يؤيد ما قيل إن ذنبه المبادرة إلى تصديق المدعي وتظليم الآخر قبل مسألته.
{فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله} دلائله التي نصبها على الحق.
{إِنَّ الذين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الحساب} بسبب نسيانهم وهو ضلالهم عن السبيل، فإن تذكره يقتضي ملازمة الحق ومخالفة الهوى.
{وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا} لا حكمة فيه، أو ذوي باطل بمعنى مبطلين عابثين كقوله: {وَمَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} أو للباطل الذي هو متابعة الهوى، بل للحق الذي هو مقتضى الدليل من التوحيد والتدرع بالشرع كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} على وضعه موضع المصدر مثل هنيئًا {ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ} الإِشارة إلى خلقها باطلًا والظن بمعنى المظنون.
{فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النار} بسبب هذا الظن.
{أَمْ نَجْعَلُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين في الأرض} {أَمْ} منقطعة والاستفهام فيها لإِنكار التسوية بين الحزبين التي هي من لوازم خلقها باطلًا ليدل على نفيه وكذا التي في قوله: {أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار} كأنه أنكر التسوية أولًا بين المؤمنين والكافرين ثم بين المتقين من المؤمنين والمجرمين منهم، ويجوز أن يكون تكريرًا للإِنكار الأول باعتبار وصفين آخرين يمنعان التسوية من الحكيم الرحيم، والآية تدل على صحة القول بالحشر، فإن التفاضل بينهما إما أن يكون في الدنيا والغالب فيها عكس ما يقتضي الحكمة فيه، أو في غيرها وذلك يستدعي أن يكون لهم حالة أخرى يجازون بها.
{كتاب أنزلناه إِلَيْكَ مبارك} نفاع، وقرئ بالنصب على الحال.
{لّيَدَّبَّرُواْ ءاياته} ليتفكروا فيها فيعرفواما يدبر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني المستنبطة وقرئ ليتدبروا على الأصل ولتدبروا أي أنت وعلماء أمتك.
{وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الألباب} وليتعظ به ذوو العقول السليمة، أو ليستحضروا ما هو كالمركوز في عقولهم من فرط تمكنهم من معرفته بما نصب عليه من الدلائل، فإن الكتب الإليهة بيان لما لا يعرف إلا من الشرع، وإرشاد إلى ما يستقل به العقل، ولعل التدبر للمعلوم الأول والتذكر الثاني.
{وَوَهَبْنَا لِداود سليمان نِعْمَ العبد} أي نعم العبد سليمان إذ ما بعده تعليل للمدح وهو في حاله.
{إِنَّهُ أَوَّابٌ} رجاع إلى الله بالتوبة، أو إلى التسبيح مرجع له.
{إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ} ظرف ل {أَوَّابٌ} أو ل {نِعْمَ} والضمير ل {سليمان} عند الجمهور {بالعشى} بعد الظهر {الصافنات} الصافن من الخيل الذي يقوم على طرف سنبك يد أو رجل، وهو من الصفات المحمودة في الخيل الذي لا يكاد يكون إلا في العراب الخلص.
{الجياد} جمع جواد أو جود، وهو الذي يسرع في جريه وقيل الذي يجود في الركض، وقيل جمع جيد. روي أنه عليه الصلاة والسلام غزا دمشق ونصيبين وأصاب ألف فرس، وقيل أصابها أبوه من العمالقة فورثها منه فاستعرضها فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وغفل عن العصر، أو عن ورد كان له فاغتم لما فاته فاستردها فعقرها تقربًا لله.
{فَقَالَ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير عَن ذِكْرِ رَبِى} أصل {أَحْبَبْتُ} أن يعدى بعلى لأنه بمعنى آثرت لكن لما أنيب مناب أنبت عدي تعديته، وقيل هو بمعنى تقاعدت من قوله:
مِثْلُ بَعِيرِ السُّوءِ إِذَا أَحَبَّا

أي برك، و{حُبَّ الخير} مفعول له والخير المال الكثير، والمراد به الخيل التي شغلته ويحتمل أنه سماها خيرًا لتعلق الخير بها. قال عليه الصلاة والسلام «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بفتح الياء.
{حتى تَوَارَتْ بالحجاب} أي غربت الشمس، شبه غروبها بتواري المخبأة بحجابها وإضمارها من غير ذكر لدلالة العشي عليها.
{رُدُّوهَا عَلَىَّ} الضمير ل {الصافنات}.
{فَطَفِقَ مَسْحًا} فأخذ بمسح السيف مسحًا.
{بالسوق والأعناق} أي بسوقها وأعناقها يقطعها من قولهم مسح علاوته إذا ضرب عنقه، وقيل جعل يمسح بيده أعناقها وسوقها حبالها، وعن ابن كثير {بالسؤق} على همز الواو لضمة ما قبلها كمؤقن، وعن أبي عمرو {بالسؤوق} وقرئ {بالساق} اكتفاء بالواحد عن الجمع لأمن الالباس.
{وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} وأظهر ما قيل فيه ما روي مرفوعًا «أنه قال: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة جاءت بشق رجل، فو الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا فرسانًا» وقيل ولد له ابن فاجتمعت الشياطين على قتله فعلم ذلك، فكان يغدوه في السحاب فما شعر به إلا أن ألقي على كرسيه ميتًا فتنبه على خطئه بأن لم يتوكل على الله. وقيل إنه غزا صيدون من الجزائر فقتل ملكها وأصاب ابنته جرادة، فأحبها وكان لا يرقأ دمعها جزعًا على أبيها، فأمر الشياطين فمثلوا لها صورته فكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدن لها كعادتهن في ملكه، فأخبره آصف فكسر الصورة وضرب المرأة وخرج إلى الفلاة باكيًا متضرعًا، وكانت له أم ولد اسمها أمينة إذا دخل للطهارة أعطاها خاتمه وكان ملكه فيه، فأعطاها يومًا فتمثل لها بصورته شيطان اسمه صخر وأخذ الخاتم وتختم به وجلس على كرسيه، فاجتمع عليه الخلق ونفذ حكمه في كل شيء إلا في نسائه وغير سليمان عن هيئته، فأتاها لطلب الخاتم فطردته فعرف أن الخطيئة قد أدركته، فكان يدور على البيوت يتكفف حتى مضى أربعون يومًا عدد ما عبدت الصورة في بيته، فطار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فوقعت في يده فبقر بطنها فوجد الخاتم فتختم به وخر ساجدًّا وعاد إليه الملك، فعلى هذا الجسد صخر سمي به وهو جسم لا روح فيه لأنه كان متمثلًا بما لم يكن كذلك، والخطيئة تغافله عن حال أهله لأن اتخاذ التماثيل كان جائزًا حينئذ، وسجود الصورة بغير علمه لا يضره.
{قَالَ رَبّ اغفر لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى} لا يتسهل له ولا يكون ليكون معجزة لي مناسبة لحالي، أو لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني بعد هذه السلبة، أو لا يصح لأحد من بعدي لعظمته كقولك: لفلان ما ليس لأحد من الفضل والمال، على إرادة وصف الملك بالعظمة لا أن لا يعطى أحد مثله فيكون منافسة، وتقديم الاستغفار على الاستيهاب لمزيد اهتمامه بأمر الدين ووجوب تقديم ما يجعل للدعاء بصدد الإِجابة. وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء.
{إِنَّكَ أَنتَ الوهاب} المعطي ما تشاء لمن تشاء.
{فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح} فذللناها لطاعته إجابة لدعوته وقرئ {الرياح}.
{تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاءً} لينة من الرخاوة لا تزعزع، أو لا تخالف إرادته كالمأمور المنقاد.
{حَيْثُ أَصَابَ} أراد من قولهم أصاب الصواب فأخطأ الجواب.
{والشياطين} عطف على {الريح}.
{كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ} بدل منه.
{وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصفاد} عطف على كل كأنه فصل الشياطين إلى عملة استعملهم في الأعمال الشاقة كالبناء والغوص، ومردة قرن بعضهم مع بعض في السلاسل ليكفوا عن الشر، ولعل أجسامهم شفافة صلبة فلا ترى ويمكن تقييدها، هذا والأقرب أن المراد تميل كفهم عن الشرور بالإِقران في الصفد وهو القيد، وسمي به العطاء لأنه يرتبط به المنعم عليه. وفرقوا بين فعليهما فقالوا صفده قيده وأصفده أعطاه عكس وعد وأوعد وفي ذلك نكتة.
{هذا عَطَاؤُنَا} أي هذا الذي أعطيناك من الملك والبسطة والتسلط على ما لم يسلط به غيرك عطائنا.
{فامنن أَوْ أَمْسِكْ} فاعط من شئت وامنع من شئت.
{بِغَيْرِ حِسَابٍ} حال من المستكن في الأمر، أي غير محاسب على منه وإمساكه لتفويض التصرف فيه إليك أو من العطاء أو صلة له وما بينهما اعتراض. والمعنى أنه عطاء جم لا يكاد يمكن حصره، وقيل الإِشارة إلى تسخير الشياطين، والمراد بالمن والإِمساك إطلاقهم وإبقاءهم في القيد.
{وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى} في الآخرة مع ما له من الملك العظيم في الدنيا.
{وَحُسْنَ مَئَابٍ} هو الجنة.
{واذكر عَبْدَنَا أَيُّوبَ} هو ابن عيص بن إسحاق وامرأته ليا بنت يعقوب صلوات الله عليه.
{إِذْ نادى رَبَّهُ} بدل من {عَبْدَنَا} و{أَيُّوبَ} عطف بيان له.
{أَنّى مَسَّنِىَ} بأن مسني، وقرأ حمزة بإسكان الياء وإسقاطها في الوصل.
{الشيطان بِنُصْبٍ} بتعب.
{وَعَذَابٍ} ألم وهي حكاية لكلامه الذي ناداه به ولولا هي لقال إنه مسه، والإِسناد إلى {الشيطان} إما لأن الله مسه بذلك لما فعل بوسوسته كما قيل إنه أعجب بكثرة ماله أو استغاثة مظلوم فلم يغثه، أو كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزه، أو لسؤاله امتحانًا لصبره فيكون اعترافًا بالذنب أو مراعاة للأدب، أو لأنه وسوس إلى أتباعه حتى رفضوه وأخرجوه من ديارهم، أو لأن المراد بالنصب والعذاب ما كان يوسوس إليه في مرضه من عظم البلاء والقنوط من الرحمة ويغريه على الجزع، وقرأ يعقوب بفتح النون على المصدر، وقرئ بفتحتين وهو لغة كالرشد والرشد وبضمتين للتثقيل.
{اركض بِرِجْلِكَ} حكاية لما أجيب به أي اضرب برجلك الأرض.
{هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} أي فضربها فنبعت عين فقيل هذا مغتسل أي ماء تغتسل به وتشرب منه فيبرأ باطنك وظاهرك، وقيل نبعث عينان حارة وباردة فاغتسل من الحارة واشرب من الأخرى.
{وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ} بأن جمعناهم عليه بعد تفرقهم أو أحييناهم بعد موتهم، وقيل وهبنا له مثلهم.
{وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} حتى كان له ضعف ما كان.
{رَحْمَةً مّنَّا} لرحمتنا عليه {وذكرى لأُوْلِى الألباب} وتذكيرًا لهم لينتظروا الفرج بالصبر واللجأ إلى الله فيما يحيق بهم.
{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} عطف على اركض والضغث الحزمة الصغيرة من الحشيش ونحوه.
{فاضرب بّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} روي أن زوجته ليا بنت يعقوب وقيل رحمة بنت افراثيم بن يوسف ذهبت لحاجة فأبطأت فحلف إن برىء ضربها مائة ضربة، فحلل الله يمينه بذلك وهي رخصة باقية في الحدود.
{إِنَّا وجدناه صَابِرًا} فيما أصابه في النفس والأهل والمال، ولا يخل به شكواه إلى الله من الشيطان فإنه لا يسمى جزعًا كتمني العافية وطلب الشفاء مع أنه قال ذلك خيفة أن يفتنه أو قومه في الدين.
{نِعْمَ العبد} أيوب.
{إِنَّهُ أَوَّابٌ} مقبل بشراشره على الله تعالى. اهـ.

.قال الخطيب الشربيني:

سورة ص:
مكية.
وهي ست أو ثمان وثمانون آية.
وسبعمائة واثنتان وثمانون كلمة.
وثلاثة آلاف وتسعة وتسعون حرفًا.
{بسم الله} المنزه عن كل شائبة نقص {الرحمن} الذي عم جوده سائر مخلوقاته {الرحيم} بمن خلقه، واختلف في تفسير قوله تعالى: {ص} فقيل: قسم وقيل: هو اسم للسورة كما ذكرنا في سائر حروف التهجي في أوائل السور وقال محمد بن كعب القرظي: مفتاح اسمه الصمد وصادق الوعد، وقال الضحاك: معناه صدق الله، وروي عن ابن عباس: صدق محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: معناه أن القرآن مركب من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها ولستم قادرين على معارضته.
{والقرآن} أي: الجامع مع البيان لكل خير {ذي الذكر} أي: الموعظة والتذكير وقال ابن عباس: ذي البيان، وقال الضحاك: ذي الشرف ودليله قوله تعالى: {وإنه لذكر لك ولقومك} [الزخرف: 44]، فإن قيل: هذا قسم فأين المقسم عليه؟
أجيب: بأنه محذوف تقديره: ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة وقوله تعالى: {بل الذين كفروا} أي: من أهل مكة إضراب انتقال من قصة إلى أخرى {في عزة} أي: حمية وتكبر عن الإيمان {وشقاق} أي: خلاف وعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم والتنكير في عزة وشقاق للدلالة على شدتهما، وقيل: جواب القسم قد تقدم وهو قوله تعالى: {ص} أقسم الله تعالى بالقرآن أن محمد الصادق وقال الفراء: {ص} معناها وجب وحق فهو جواب قوله: {والقرآن} كما تقول: نزل والله، وقال الأخفش: قوله تعالى: {إن كل إلا كذب الرسل} وقال السدي: إن ذلك لحق تخاصم أهل النار، قال البغوي: وهذا ضعيف لأنه تخلل بين القسم وبين هذا الجواب أقاصيص وأخبار كثيرة وقال مجاهد: في عزة متعازين.
{كم} أي: كثيرًا {أهلكنا من قبلهم} وأكد كثرتهم بقوله تعالى: {من قرن} أي: من أمة من الأمم الماضية كانوا في شقاق مثل شقاقهم.
تنبيه:
كم مفعول أهلكنا، ومن قرن تمييز، ومن قبلهم لابتداء الغاية {فنادوا} أي: استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النقمة وقيل: نادوا بالإيمان والتوبة {ولات} أي: وليس الحين {حين مناص} أي: منجى وفرار، قال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب، قال بعضهم لبعض: مناص أي: اهربوا وخذوا حذركم، فلما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص، فأنزل الله تعالى ذلك، والمناص مصدر ناص ينوص إذا تقدم، ولات بمعنى: ليس بلغة أهل اليمن، وقال النحويون: هي لا زيدت فيها التاء كقولهم: رب وربت، وثم وثمت، وأصلها هاء وصلت بلا فقالوا: لات كما قالوا: ثمت ولا تعمل إلا في الأزمان خاصة نحو لات حين ولات أوان كقول الشاعر:
طلبوا صلحنا ولات أوان ** فأجبنا أن ليس حين بقاء

والأكثر حينئذ حذف مرفوعها فتقديره ولات الحين حين مناص، وقد يحذف المنصوب ويبقى المرفوع كقول القائل:
من صد عن نيرانها ** فأنا ابن قيس لا براح

أي: لا براح لي، ولما حكى تعالى عن الكفار كونهم في عزة وشقاق أتبعه بشرح كلماتهم الفاسدة بقوله تعالى: {وعجبوا} أي: الكفار الذين ذكرهم الله تعالى في قوله سبحانه: {بل الذين كفروا في عزة وشقاق} {أن} أي: لأجل أن {جاءهم منذر} هو النبي صلى الله عليه وسلم وفي قوله تعالى: {منهم} وجهان أحدهما: أنهم قالوا أن محمدًا مساو لنا في الخلقة الظاهرة والأخلاق الباطنية والنسب والشكل والصورة فكيف يعقل أن يختص من بيننا بهذا المنصب العالي. والثاني: أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهلهم لأنهم جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد والترغيب في الآخرة ثم إن هذا الرجل من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيدًا عن الكذب والتهمة وكل ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ثم إنهم لحماقتهم يتعجبون من قوله: {وقال الكافرون} وضع الظاهر فيه موضع المضمر إشارة إلى أنهم يسترون الحق مع معرفتهم إياه فهم جاحدون لا جاهلون ومعاندون لا غافلون وإيذانًا بشدة غضبه عليهم وذمًا لهم على قولهم: {هذا} أي: النذير {ساحر} أي: فيما يظهره معجزة {كذاب} أي: فيما يقول على الله تبارك وتعالى: {أجعل} أي: صير بسبب ما يزعم أنه يوحى إليه {الآلهة} أي: التي نعبدها {إلهًا واحدًا} كيف يسع الخلق كلهم إله واحد {إن هذا} أي: القول بالوحدانية {لشيء عجاب} أي: بليغ في العجب فإنه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا ونشاهده من أن الواحد لا يفي عمله وقدرته بالأشياء الكثيرة، وقال البغوي: العجب والعجاب واحد كقولهم: رجل كريم وكرام، وكبير وكبار، وطويل وطوال، وعريض وعراض، وسبب قولهم ذلك أنه روى أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه شق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش:- وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسة وعشرين رجلًا أكبرهم سنًا الوليد بن المغيرة- اذهبوا إلى أبي طالب، فأتوا إليه وقالوا له: أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا جئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إليه فحضر فقال له: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا تسألونني؟ فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا، قال: «أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أتعطوني أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟» فقال أبو جهل: لله أبوك نعطيكها وعشر أمثالها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قولوا لا إله إلا الله» فنفروا من ذلك وقاموا فقالوا ذلك.